الفصل الأول
(( حديث الربان ))
ربان السفينة …. ذلك ….. الرجل ألمسن الذي عركته الحياة و اعتركها ، تحمل نظرته الحالمة معاني الطيبة و السماحة و الصدق بل كان منذ تعرفنا عليه مثال حي لهذه المعاني النبيلة ، و قد تعرفت عليه من خلال الصدفة التي جمعتنا في أحدى مقاهي المواني على البحر الذي يلتف حول مدينتي من ثلاث جهات ، و مدينتي التي تعرفونها ، عبارة عن ميناء على امتداد الساحل ، كثير من الغرباء وصلوا إليها و عادوا من حيث أتوا و كثيرين أيضا من أبنائها هاجروا و لم يعودوا …. ؟ .
لذلك من خلال جولاتي في شوارع المدينة كثيرا ما كنت أرى العالم بخليطه الأصفر و الأحمر و الأبيض و الأسود و كان دائماً يراودني السؤال لماذا لا أرى العالم ..؟ .
فانا لا اعرف عن الدنيا ألا ما يتناقله السنة البحارة حين ترميهم الأمواج بسفنهم على شواطئ مدينتي .
بعضهم كانت تفوح منه رائحة التبغ ، مخلوطة بما يشبه رائحة المخازن التي احكم إغلاقها لسنين طويلة ، و كانت أحاديثهم عن الماضي السحيق .. و كأن لا جديد في حياتهم ، وجوههم تحمل تقاسيم يعزفها الزمن الذي لا يرحم الأطفال .
و آخرين من البحارة كانوا يحملون في أحاديثهم الطريف و الغريب ، الممكن حدوثه و المستحيل الذي لا تصدقه العقول ، كثيراً ما حدثنا بعضهم عن بطولاته التي تشبه ما نراه في الأفلام ، و البعض الأخر يتباهى بقدرته على إغواء حوريات البر و حوريات البحر
فقط ذلك الربان كان يلفه الغموض فهو لا يحدث احد ، و لا يجالس احد ، و لم أراه منذ انتبهت إليه يسكن عند احد أو حتى يسكن في احد الفنادق المتناثرة بين إحياء المدينة ، و كان كلما قذفت الرياح بالسفينة إلى شواطئنا و تسوقه قدماه إلى المقهى القريب من الميناء ، كان يختار نفس الركن ، ملامح وجه عربية بدوية أصيلة ، و يتميز بنصوع لون بشرته التي يتوجب أن تكون قد لوحتها الشمس ، و ذات ليلة اخترت مكاني بين رواد المقهى الذي كان شبه خالي من الرواد ، فليس هناك سوى البعض منهم ، متناثرين على الكراسي الهالكة .
كان النادل بنظراته الحادة يتفرس وجوه الجالسين ، و قد خيل إلي انه مثل الغراب الذي يبحث عن جيفة يقتات من بقاياها .
و مع تكرار نظراته الحادة اصطدمت نظرته بهيئة ربان السفينة ، و الذي يبدو أن هيئته لم تعجب ذلك النادل المتخابث ، و على الفور و على مسمع الجميع ناداه قائلاً … أنت يا …… منذ عدة أيام و أنت تأتي و تستمتع بدفء المقهى ، و لكنني لا انتفع منك بنصف سحتوت .
أجاب الربان و بكم تبيعني هواء الله في مقهاكم ؟ و يبدو للحظة أن رد الربان اخرس النادل الذي تمالك نفسه و قال اسمع أما تطلب و أما نطلب … فرد الربان و ماذا ستطلب مني ؟ فقال النادل اطلب أن تتوكل على الله و تخرج من هذا المقهى .
حينذاك و بهدؤ غير متوقع انسل الربان خارجاً من باب المقهى الضيق ، و للحظة كدت أن اعتبر ما حدث أمرا طبيعياً مثل كل الأشياء التي تحدث كل يوم ، و لكن لوجود مشاعر الرتابة قررت أن اكسر هذه اللامبالاة و حياة عدم الانتباه التي أعيشها ، و أعدت التفكير في هذا الموقف محاولاً الوصول إلى تفسير يحدد شعوري تجاه شخص ربان السفينة ….. و فجاء برز خاطر غير متوقع تبلور على شكل سؤال عن السبب الذي يدعو إلى ضرورة وجود شعور تجاه موقف أو فرد أو فكرة ، إن هذا السبب لا يكون قطعياً ما لم يتم اختراق مرحلة التساؤل إلى مرحلة لبحث عن الإجابة ، و بمثل سرعة خاطري انطلقت قدماي خلف ربان السفينة .
كانت خطواتي المسرعة و كأنها تتعثر في أفكاري فلم انتبه إلا و أنا خارج المقهى و في مواجهة الربان الذي لم يبتعد سوى خطوات معدودة من الباب …… يا حاج ، افلت لساني و قبل التفكير فيما أريد قوله أو لماذا لحقت بالرجل ، أجابني ، خير إنشاء الله .. قلت أنا بصراحة آلمني موقف هذا النادل و أريد أن … ..؟ قال لا باس عليك الموضوع لا يستأهل ، فقلت له أرجو أن تقبل دعوتي لتناول القهوة معاً ، فرد و لماذا …؟ قلت أود التعرف عليك .. فقد أعجبت بسعة صدرك إزاء النادل ، و بروحك الرياضية ، عندها ابتسم …. و اكتشفت انه اصغر مما ظننت بكثير ، و رد على قائلاً و هل تستطيع أن تعرف و تتعرف ؟ … يا سبحان الله ..أجبته إنني بكامل قواي العقلية ، و أستطيع التمييز، أجابني و لعل معرفتي شراً و اظنك تعتقدها خيراً ، قلت لا مناص من قبول دعوتي و أنت غريب عن المدينة و لا أريدك أن تعتقد أن أهل هذه المدينة بخلاء ، أجابني لا أنا لست غريب عن المدينة …. أنا غريب عن أهلها … هيا معي … سأدعوك أنا إلى مكاني الذي أفضله على الدنيا .
كان الوقت بعد العشاء بقليل ، و عند هذا الوقت يلف مدينتي الصغيرة صمت و سكون لا يشبه الموت بل هو صمت اقرب إلى اطراقة مدينة هنيهة للتفكير و سكون يجعلك دائماً تنتظر العاصفة .
فأجبت الربان ألان وقت تناول العشاء اذهب معي إلى منزلي و هناك سوف نقرر من منا يدعو الأخر ، و بدون أدنى تحفظ قال لقد فهمت لعبتك و على كل حال هيا بنا .
و انطلقنا صامتين ، إنا متوجس خيفة من قـوله (( و لعل معرفتي شراً )) إما هو فمسيره كان متلفعاً بصمته الذي يحير ، حاولت أن أجاذبه إطراف الحديث بسؤالي عن صحته فقال لي اسمع يا صديقي منذ قليل ، أنا حين أمشى لا أتحدث و حين أتحدث لا امشي فاختر منهما ما يروقك أم انك تعجلت في دعوتي و تريد أن تحل نفسك منها ، فضحكت من لهجته التهكمية و قلت لا.. لا إنما أريد أن اسري عنك و اظنك متوتراً مما حصل لك . و لم يجبني .
وصلنا إلى البيت ، و بيوتنا في الشرق معدة للضيوف و هو ككل بيت في مدينتي ، لا يحتاج إلى أن اصف ما فيه سوى انه اصغر من أن اعدد حجراته ، لذلك جلسنا معاً في (( المربوعة )) بعد إن أوصيت زوجتي أن تعد لنا عشاء دسماً ، و اقصد بذلك أن يستغرق أعداده أطول فترة ممكنة .
دخلت إلى المربوعة و انا اقول .. هل تعرف ان طبيعة ذلك النادل لم تتغير منذ ان افتتح مقهاه البائس ذلك ، فرد الربان بل يبدو ان طبيعته هي طبيعة كل البؤساء فوق سطح الأرض ، و انا رأيت منهم الكثير ، و استغربت ان يصفه بالبائس ، و لم أشاء ان اكدر صفو استرساله في الحديث بل قلت و ماذا رأيت غير الناس في تطوافك لبحار الدنيا ، فنظر ألي و قال… لا تعتقد انك في وجبة العشاء هذه قد استضفت سندباد البحار
اننى رجل بسيط رمته تكاليف العيش على ظهر سفينة و لم أزر سوى تسع موانئ في حياتي كلها ، فقلت له أنت أذن أروع من السندباد الذي لم يقم سوى بسبعة رحلات فقط هي ما خلد تاريخه في الأذهان، فقال ان ما خلد السندباد هو تلك الحكايات عن السحرة و عن الجان و عن العفاريت ، و غير ذلك مما يغري الأطفال حتى و ان كانوا في الثلاثين من العمر ، و لو كان السندباد شخصاً حقيقياً لما وجد من يحكي قصته و لما تداولته السنة الرواة ، ان الناس مولعين دائماً بالغريب ، و لا يدرون ان اغرب الأشياء في الدنيا هو وجودهم فيها ، و الناس مولعين ان يرسمون الخيال و يخافون رسم واقعهم و الناس تستهويهم الأحلام ، حتى و ان كانت بعيدة لا تطال ، في حين ان في امكانهم ان تكون حياتهم أروع من الأحلام .
و هنا قلت له ….عندك انا من الناس و أنت من منهم أيضا فأردف قائلاً عيب الناس إنهم ناس لا يعنون و لا يعتنون و الواجب ان الله خلقهم جميعاً ليحيوا جميعاً و أنت ادري مني بحقيقة مثل التي تكشفت إمامك من موقف النادل اتجاهي ، أنني لا اعني له سوى نصف سحتوت و يعتقد انه لا يعني لي سوى (( طاسة امية )) صحيح ان المنفعة متبادلة بين الموجودات في الأرض و لكن طغيان المنفعة أعمى بصائر الناس عن الحقيقة في ضرورة وجودهم معاً على شكل أسرة أو قبيلة او امة ، فهم تعاموا عن حقيقة وجودهم الاجتماعي ، قلت و هل يملك الناس غير ذلك ؟ أظن انه لا علاقة حقيقة بين البشر ألا منفعتهم المتبادلة و هي التي تحدد مقدار حاجة الفرد للآخرين او حاجة الآخرين للفرد قال نعم يملكون …. و ما قلته لي ليس سوى انعكاس لما في أذهان الناس الذين تحيا معهم و ليس حقيقياً ألا بقدر ما تؤمن به أما الحقيقة الباقية فقد تكتشفها لو سخرت لك فرصة مثل التي سخرت لي ، لقد عرفت من خلال تجوالي دنيا أخرى و عالم أخر و الحقيقة التي سأرويها لك تقع خلف المكان و أمام التاريخ ، فلا يحد تلك الدنيا حدود مكانية توصف و لا تحسب أيام زيارتنا لها بحساب التا!
ريخ …….في الحقيقة و حتى لقائي بك صدفة لم استطع تقييم التجربة التي مررت بها ، من حيث إنها حقيقة لمستها و عشتها أم إنها رحلة سطر حروفها نسج الخيال ، و ذلك هو المكان الذي دعوتك أليه و قلت انه أفضل مكان في العالم .
و كلما فكرت في استخلاص الخيوط المتشابكة للوصول إلى قرار في هذا المنحى ، تزداد المساءلة تعقيداً يؤدي بي إلى تقرير إن تفاصيل هذه
الرحلة حقيقة اقرب إلى الحلم ، أو حلم يكاد يطابق الحقيقة … و لا يتبقى في ذهني سوى تلك القيم التي عاش بها أولئك الذين تعرفت عليهم في جزيرة العرفان .
إننا نعيش رغبة البحث و نتلظى بنارها ، و مع ذلك قلما نصل إلى الحقيقة ، بل تظل الحقيقة أسمى معاني الوجود العصية على إن تلين لأحد و يتنامى إحساسنا بان مجرد البحث ليس هو فقط وسيلة الوصول .لذلك لا أستطيع ان اصف لك تفاصيل رحلتي إلى هناك فهي تفاصيل لا تفيدك و مملة لأنها تشبه أي رحلة على ظهر سفينة .
أما عن وصولنا إلى جزيرة العرفان ، و دخولنا مياهها الإقليمية فقد كان بعد منتصف الليل بقليل و قد انتظرنا نصف ساعة أخري لمراسلة المنارة بالإشارة الضوئية ، و بعدها جاءنا يخت عليه مهندس بحار ليقود السفينة حتى وصولها بأمان إلى مرساها .
و لم نجد سفن احد غيرنا على رصيف الميناء الذي ما ان استراحت سفينتنا عليه حتى صعد مجموعة من الناس إلى السفينة عرفونا بأنفسهم بوصفهم مسئولي الاستقبال الشعبي . و قد رحبوا بنا بحرارة و دعونا للتجول بحرية في جزيرة العرفان ، و سلموا كلاً منا أربعة طرود عليها أرقام 1 -2-3-4 و قالوا عليكم فتحها حسب ترتيبها العددي ، و ان لا يكون ذلك في نفس اليوم ، بل يستحسن ان يكون هناك أيام فاصلة بين كل طرد و طرد ، و نحن اعتبرنا الأمر دعابة من الإخوة المستقبلين لنا ، الذين يبدو أنهم بذلك أكملوا مهمتهم فتركونا و ابتسامتهم تكاد تجعلنا نتمسك بهم للبقاء معنا أكثر .
و عند خروجهم من السفينة كانوا يؤكدون على ضرورة التمتع بزيارة كل شبر فيها ، و ابلغونا ان القائد العام للجزيرة يدعونا لتناول وجبة العشاء في اليوم التالي معه في منزله ، و لما كنا منهكين من السفر و كان بعضنا مريضاً من ويلات ما لقيناه خلال رحلتنا فقد قلنا لهم أننا سعداء جداً بهذه الدعوة ، غير أننا نتمنى عليهم إبلاغ سعادته ان يؤخر موعد الدعوة إلي يوم أخر على الأقل ، هنا انبرى كبير اللجنة و قال لا بأس فبيته مفتوح لكم في وقت .
و بعد ان أمضينا ليلتنا و نحن نجهز بضائعنا للتفتيش و دراسة الإقرارات الجمركية و غير ذلك اكتشفنا ان اغلب بضائعنا محظورة التداول في هذه الجزيرة ، لذلك اعتبرنا ان هذه السفرة خاسرة من بدايتها
غير ان رفيقنا إبراهيم و الذي قد زار هذه الجزيرة قبل ذلك قال لنا ان مكسبنا سيكون مما نحمله من الجزيرة و ليس ما نبيعه فيها ، و قال لنا ان
هذه الجزيرة استنت قانوناً ينص على ان كل تاجر في زيارته الأولى لهذه الجزيرة يحق له ان يعوض في بضاعته القابلة للفساد و التي يحظر تداولها او بيعها ، و شرط ان تكون هذه البضائع مصنعة في بلد التاجر و ليست معادة النقل و الحمل .
عموماً .. من خلال حديثه الذي استغرق الليل كله استطعت ان اعرف منه ان شعب الجزيرة متسلط بالكامل على الأجهزة التن